Archive

Bahrain Freedom Movement

عندما يضطرب الامر السياسي يتشوش معه ما هو معتاد من قيم وقوانين ومعادلات مجتمعية. فما هو الصحيح وما هو الخطأ؟ وما هو الحق وما هو الظلم؟ في وضع كهذا يسعى الظالم المستبد لفرض “قوانينه” بالقوة، وهي قوانين صاغها بجرة قلم، لتخدم وضعه ولتسخر الناس باسم القانون لطاعته. هنا يصبح “القانون” اداة قمع مقيتة بدلا من ان يكون وسيلة لاقامة العدل والمساواة بين الناس وصون الحقوق والحرمات والكرامات. وفي مثل هذه الاوضاع يسخر الطاغية وسائل اعلامه للترويج لمقولة “احترام القانون” و “سيادة القانون” و “حكم القانون”، ويصفق له الانتهازيون او المغفلون، ويسايرونه في ذلك رغبة في عدم ازعاجه. غير ان قوانين العدالة الانسانية والاسلامية لا تعتبر القانون قانونا الا اذا كان متضمنا عددا من الامور: اولها انه يهدف لاقامة العدل بين الناس، وليس ما ينسجم مع ارادة السلطان فحسب، ثانيها: ان القانون لا يصبح قانونا الا اذا حظي بقبول الناس، فهو تعبير عن توافقهم على التعايش واقامة العدل في ما بينهم وفق مرجعية فكرية  او روحية او اخلاقية يرتضونها. ومن وجهة النظر الاسلامية فان القانون ليس ملزما الا اذا كان غير متعارض مع شرع الله. وثالثها: ان القانون يساوي بين الناس في الحقوق والواجبات وينطبق على الجميع بدون تمييز او محاباة. رابعها: ان انقياد الناس للقانون ينطلق على اساس الرضا به والخوف من سلطته. فهم راضون به لانه منبعث من ارادتهم، ويخشون سطوته لانه اداة ردع عن الظلم، ومانعة عن التعدي.

في غياب الممارسة العادلة للحكم، يتحول القانون الى اداة للقمع. فيشرع الحاكم وفق ما يريد، ويسعى لتطبيق ذلك التشريع بالقوة، ويصبح المواطنون مجبرين على الالتزام القائم على الخوف والاكراه، وليس على الرضا والانقياد. وفي الوضع البحراني يستحيل ان يقبل عاقل بالطرق التي يفرض بها القانون. وفي 1974 فرض على اهل البحرين اول قانون قمعي وضعه الجلادون، وعرف باسم “قانون امن الدولة”. صاغ ذلك القانون الضابط البريطاني السيء الذكر، ايان هندرسون، وأقره الطاغية خليفة بن سلمان، برغم معارضة المجلس الوطني المنتخب، ورفضه من قبل المواطنين. وعلى مدى ربع قرن بقي ذلك القانون مسلطا على الرقاب، وبموجبه اقتيد الآلاف من المواطنين الى زنزانات التعذيب الخليفية، وعذب المجاهدون وقتل الاحرار. وفرض شعب البحرين بارادته ونضاله المتواصل على العائلة الخليفية الغاءه، فتم التخلي عنه في 2001. ولكن آلية فرض القوانين بشكل جائر مستمرة حتى اليوم. ولكنها تتم بمسميات “متطورة”. فهناك “مجلس تشريعي” يصدرها، ومجلس آخر لاقرارها. وكلا المجلسين يخضعان للارادة الخليفية، ولا يمثلان شعب البحرين وارادته. واصبحت هذه المجالس ادوات قمعية رهيبة، تقر المنكر، وتحارب الحق والمنطق والمعروف. فهي تقر الاستبداد الخليفي، وتشرع القوانين القمعية بدون ضمير او رادع من شرع او انسانية. فماذا يعني “قانون الارهاب” و “قانون التجمعات” و “قانون الصحافة” و “قانون الجمعيات”؟ انها جميعا مصوغة بالعقلية نفسها التي صاغت  “قانون امن الدولة”، فهي تهدف لاستعباد المواطنين وتطويعهم للاحتلال الخليفي باسم القانون. فأي قانون هذا الذي يحكم بالاعدام على من يملك منشورا معارضا للديكتاتورية الخليفية؟ وأي قانون هذا الذي يخضع مؤسسات المجتمع المدني لارادة سلطة تنفيذية يمثل أبناء العائلة الحاكمة منها اكثر من 60 بالمائة؟ وأي قانون ذلك الذي يمنع حرية التجمع والانتماء للاحزاب، في تعارض واضح مع بنود الاعلان العالمي لحقوق الانسان؟

لقد انطلقت المعارضة البحرينية لرفض هذا الواقع السيء، وهي مصممة على الاستمرار في طريقها لتحقيق المجتمع المدني الحر، غير الخاضع لاملاءات العائلة الخليفية المقيتة، او المرتهن لعقليات بالية تتشبث بالمظاهر “الديمقراطية” وتعادي الارادة الشعبية. والأدهي من ذلك انها تتشبت باسلوب “التذاكي” لفرض هيمنتها، فـ “تشرع” القوانين عبر وكلائها في مجلس الشورى الذي يدار من قبل الطائفي المقيت، خالد بن أحمد آل خليفة، وزير الديوان، بكل وقاحة. وهكذا اصبح “القانون” اداة قمع رهيبة لكسر ارادة المواطنين الاحرار. والملاحظ انه لم يجر قط اي حوار حول مفهوم “الحق” في الثقافات المعاصرة، ووفق المباديء الاسلامية. الحكم الخليفي يؤسس قوانينه على اسس استعباد الآخرين، وذلك بتأكيد “الواجبات” التي تفرضها على الافراد والمجموعات، وتتجاهل “الحقوق”. وهذا متعارض مع ثقافة “الحقوق” التي يؤسس عليها المجتمع المدني الحديث. فالاعلان العالمي لحقوق الانسان مثلا، ينطلق على اساس توضيح “الحقوق” الطبيعية للافراد والجماعات، بينما الانظمة القمعية تبالغ في توصيف “الواجبات” المترتبة على المواطنين. وشتان ما بين الفلسفتين. المجتمع المدني المعاصر يتأسس على تأكيد الحقوق المدنية والطبيعية للأفراد والمجموعات، ويسعى لتوضيحها في بنوده التي اصبح الانتماء للانسانية المعاصرة يتطلب تضمينها ضمن القوانين المحلية في كل بلد. بينما تسعى الانظمة الشمولية والاستبدادية لاختيار ما يناسبها من تلك البنود، بعيدا عن روح الاعلان ومستلزمات الانسانية التي ينتمي لها البشر. انه صراع بين عقلية الاستعباد التي تعتبر البشر “عبيدا” يؤدون واجباتهم تجاه الحاكم، ولا حق لهم الا ما يراه ذلك السيد، وعقلية التحرر التي تؤكد ان للبشر العاديين حقوقا طبيعية اقرتها الشرائع السماوية منسجمة مع الفطرة البشرية. اما الاسلام فقد اتخذ طريقا وسطا، فأكد حقوق الناس كاملة بوضوح، والزمهم بواجباتهم تجاه انفسهم وتجاه بعضهم البعض وتجاه السلطان العادل. وفي ذلك توازن دقيق يحفظ للجميع حقوقه، ويضمن قيام المجتمع المتعاون الذي لا تتشوش فيه الحقوق والواجبات.

ان حركة المقاومة المدنية التي تتوسع تدريجيا في البحرين انطلقت بهدف رفض عقلية الاملاء وفرض ما يراه الحاكم من “واجبات” على المواطنين وتجاهل ما هو “حقوق” مشروعة لهم. تنطلق حركة المقاومة المدنية البحرانية اليوم على اساس ان “الحق” هو أساس التشريع، وان الاسلام يهدف لحفظ ذلك الحق للجميع، وانه ليس لأحد صلاحية سلب تلك الحقوق، سواء كان مواطنا ام حاكما. وأهم تلك الحقوق وأولها حق المواطنين في اختيار الحاكم. ومن هنا ينشأ الخلاف والاختلاف في المملكة الخليفية التي لا تعتبر اختيار الحاكم “حقا” من حقوق الشعب” بل تؤسس وجودها القانوني والامني لاكراه المواطنين على “الطاعة” و “الواجبات” تجاه ذلك الحاكم. ملك البحرين اليوم اعطى لنفسه كافة الحقوق وسلب من المواطنين كل حقوقهم، واستبدلها بواجبات الطاعة والانقياد للقوانين التي يفرضها بين الحين والآخر لضمان تلك الطاعة. ان هناك اليوم اطروحتين متباينتين تماما: احداهما تعتبر ملك البحرين التوارتي حقا الهيا وتسخر الآخرين لخدمته والانقياد له، والاخرى تعتبر ان لكل مواطن حقوقا سياسية ومدنية جعلها الله له ولا يحق له التخلي عنها، لانها مرتبطة بعنوان انسانيته ومصداق لكرامته التي منحه الله اياها. وبالتالي فالصراع المتواصل لن يتوقف الا باصلاح الوضع بشكل حقيقي بعيدا عن الادعاءات الزائفة والبهرجة الاعلامية الفارغة. هذا الصراع يتجدد يوميا في شوارع البلاد من خلال الاعتصامات والمسيرات والتجمعات المقاومة للاستبداد السلطوي، ومن خلال الفعاليات المدنية خارج الحدود الاقليمية. وما تشهده العواصم الاخرى مثل لندن وواشنطن وجنيف وباريس وغيرها من محاولات من الطرفين (شعب البحرين والعائلة الخليفية) تأكيد لتوسع دائرة الصراع بين الطرفين وصعوبة التوفيق بين عقلية “الواجبات” و “الحقوق”. وفي هذا الصراع يستمر تساقط الابرياء وانتهاك الحرات وتضييع الحقوق من قبل الجهة الاقوى ماديا، التي تمتلك وسائل البطش والتنكيل. ولكن متى استطاع الطغاة كسر شوكة الاباة؟ وهل خرج هؤلاء الطغاة عن ارادة الله وسطوته ونفاذ مشيئته وقوانينه؟ فالنصر للمناضلين الابطال، والهزيمة ستمحق الطغاة والمستبدين، والله غالب على امره ولكن اكثر الناس لا يعلمون.

Show More

Related Articles

This website uses cookies. By continuing to use this site, you accept our use of cookies. 

Close