Archive

Bahrain Freedom Movement

النوري: القيادة المقاومة من شروط النصر

12/05/2010 – 0:46 | مرات القراءة: 174

print_page-9228365 send_f-4628457 add_comment-5469920  

مسجد الغدير المبارك الشيخ سعيد النوري 12/5/2010 بسم الله الرحمن الرحيم و الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين محمد وآله الطيبين الطاهرين ، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين

نتوقف اليوم – بما يسع المجال – مع قصة قرآنية مهمة ثم نحاول أن نستلخص منها أهم العبر والدروس. وهذه القصة هي قصة تيه بني إسرائيل التي تحدث عنها القرآن الكريم في الآيات من 20 إلى 26 من سورة المائدة، حيث قال سبحانه وتعالى”وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّن الْعَالَمِينَ”.
بنو إسرائيل أعطوا النبوة وجعلوا ملوكاً على الأرض وأعطوا النعم المعنوية والمادية الكثيرة ، ليس من أجل أن يتفاخر بنو إسرائيل بذلك، وإنما كانت تلك النعم ليقوم بنو إسرائيل بتأدية الرسالة وإيصالها للعالم . وهنا يأتي التكليف حيث أن القرآن الكريم يلازم بين النعم الإلهية والتكليف الإلهي ، إذ قال الله لهم بعد أن أعطاهم النعم “يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ”، إذاً بنو إسرائيل كلفوا بأمر من الله أن يدخلوا الأرض المقدسة وهي أرض فلسطين كما في الروايات ، وأن لا يتمردوا على أمر الله فيصابوا بالخسران.

وهنا إنقسم بنو إسرائيل إلى فرقتين:الفرقة الأولى : وهي التي رفضت أوامر الله، إذ قالوا “قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ” أي أن هناك جيشا من الجبارين في فلسطين ولن ندخل هناك إلا أن يخرجوا منها، وهذا تلاعب بالألفاظ من قبل هؤلاء ( إذ يقولون سندخل إذا خرجوا منها ) ولكن ما الفائدة من دخولهم بعد خروج القوم الجبارين منها؟ هذا تهرب واضح وإعلان عن عدم الإستعداد لتحمل المسؤولية.أما الفرقة الثانية، فهم الذين قبلوا بأمر الله حيث قالوا “قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ” ويبدو من الآية أنهم كانوا هم الفئة القليلة من خلال التعبير (برجلان) ، فيما كانت الطائفة الأكبر منهم من أصحاب الفرقة الأولى، فهذه الفئة القليلة كانت تخاف الله لأن هذا هو عمل المؤمنين ، وقد أنعم الله عليهم بالإيمان فهم توكلوا على الله وعزموا على طاعة أوامره وهم قطعاً غالبون.وهنا ، حاولت الفرقة الأولى السيطرة إعلامياً على الموقف من خلال موقف الرفض الصريح “إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ”، حيث أنه موقف صريح في العصيان و التمرد.و هنا ، قال موسى (ع) ” قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ” أي أنه يارب لا أملك الأنصار الكافين للقيام بالمسؤولية الجهادية ، والأكثرية الساحقة من بني إسرائيل سقطت في إمتحان المسؤولية التضحوية وهي غير مستعدة لتنفيذ أوامرك ، يا رب نحن و بنو إسرائيل منقسمون فأفرق واحكم بيننا وبينهم ، إذ جاءهم الجزاء الإلهي لتخليهم عن المسؤولية “قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ” . فهذه الأرض المقدسة التي وهبهم الله سبحانه إياهم الآن أصبحت محرمة عليهم ، هذا بالإضافة إلى ذلك التيه الذي أصابهم الله سبحانه به ، إذ تذكر الروايات أن الرجل كان يخرج من بيته ويمشي لمسافات ثم يرى نفسه وقد عاد لبيته وكأنه لم يتحرك. فهم قد عاشوا التيه والضياع الفكري وفقدان التمييز ، و التيه النفسي والخوف الدائم ، والتيه والفتنة الإجتماعية ، والتيه والذل السياسي فلم تكن لديهم كرامة وعزة وسعادة على مدى 40 سنة.وتذكر الروايات أنه بعد 40 سنة يأتي جيل جديد من بني إسرائيل بمعنويات مؤمنة توحيدية ثورية فيهزم الجبارين ويدخل أرض فلسطين. هذا الجيل عاش في أحضان الألام والمعاناة والهزيمة ، واستفاد من الأخطاء والدروس و نهض بواقعه وحقق الإنتصار المؤزر .ولهذه القصة دلالات عديدة:أولا : الإيمان الصوري والواقعي . أن القرآن في عموم طرحه بين أن هناك “إيمان صوري” ، وهناك “إيمان واقعي” .فالإيمان الصوري وله علامات، منها عدم الصدق مع الله وعدم الثقة به والخوف منه، فهؤلاء يخافون من غير الله ويثقون في غير الله. وأصحاب الإيمان الصوري لا يمتثلون للأوامر الألهية وليسوا مستعدين لتحمل المسؤولية الجهادية والتتغييرية . وهو ما تجسد بالفرقة الأولى من بني إسرائيل . أما علامات الإيمان الواقعي فهي الإيمان بالله والصدق معه والثقة به والخوف منه، وعدم الإيمان والثقة والخوف من غير الله سبحانه . وأصحاب الإيمان الواقعي ملتزمون بالأوامر الإلهية ومستعدون لتحمل مسؤولية الإصلاح والتغيير والتضحية وهي التي تجسدت في الفرقة الثانية من بني إسرائيل.ثانيا : تحديد مصير المجتمع . كما أنه يأتي هنا سؤال مهم، كيف نحدد مصير المجتمع؟ ما المؤشرات التي تدل على النتيجة التي سيؤول إليها هذا المجتمع؟والجواب هو أنه إذا كان أغلبية المجتمع من أصحاب الإيمان الصوري ، فإن المجتمع يؤول إلى الذلة والمهانة والتعاسة ، وإذا كانت أغلبية المجتمع من أصحاب الإيمان الواقعي فإنه يعيش العزة و الكرامة و التقدم و السعادة.المجمتع الإسرائيلي كان في أغلبه من الفئة الأولى الصورية ، لذلك ابتلاهم الله بالتيه و الذل والضياع وهذه سنة الله في خلقه وهي قاعدة قرآنية.ثالثا : العصيان والتخلي عن مسؤوليات الجهاد والمقاومة يؤدي للتيه الشامل . فالمجتمع البشري الذي يستسلم لخط الإنحراف والظلم والإستكبار ، ويترك المسؤولية التغييرية ويرفض التضحية لأجل الدين والإنسان ، فهو يصاب بالذل والضياع الفكري فتنقلب لديه المعايير ، كما يصاب بالضياع الأخلاقي والإجتماعي وتنهار القيم ، كما يستولي عليه الظالمون فيصاب بالذل والخور والهوان . وهذه قاعدة قرآنية أخرى .رابعا : القيادة الربانية والمقاومة الشاملة شروط العزة الإنتصار : كما أنه نلاحظ أن المجتمع الإسرائيلي كان فيه أنبياء عظام مرسلون من الله سبحانه ، وفيه نبي من أولي العزم وهو موسى (ع) ، وهو كما يقول العلامة الطباطبائي ” أكثر الأنبياء ذكراً في القرآن” كما أنهم كانوا إجمالاً ملتزمين، يصلون ويؤدون العبادات، مع ذلك فإنهم أصيبوا بالتيه والذلة.فهل وجود القيادة الربانية العظيمة يمنع التيه عن الأمة؟ وهل أداء العبادات الفردية كافيا لمنع ذلك؟ والجواب لا . فبنوا إسرائيل كانوا يمتلكون القيادة الربانية والإلتزام الفردي الإجما
لي ولكنهم ابتلوا بكل ألوان الشقاء .إذاً، يا أخوة كيف ينهض المجتمع البشري ؟؟ ما المشكلة التي كان بنو إسرائيل يعانون منها؟ وما هي شروط النهضة في المجتمع البشري ؟؟ .بإختصار، أقول أن هناك شرطان:الأول : وهو أن يلتزم المجتمع بالمنهج المقاوم، أن يقاوم الفساد بكل أشكاله ، الفساد الأخلاقي ، والفساد الثقافي ، والفساد السياسي ، وأن يضحي حتى بدمائه في القضاياه الهامة جداً. أن يرفض الإستسلام لأي مبدأ أو خط لا يتناسب مع المبادئ الإسلامية والإنسانية النقية .والشرط الثاني، هو وجود قيادة ربانية كفوءة، تربي المجتمع على منهج المقاومة الشاملة ، وتقوده في إطار منهج المقاومة الشاملة نحو العزة والإنتصار والسعادة . فبنو إسرائيل كانت لديهم قيادة نبوية ربانية ، ولكنهم مع ذلك لم يلتزموا بالمسؤوليات الجهادية والتغييرية التضحوية ، ففشلوا في تحقيق السعادة والعزة الحقيقية .ونحن في مجتمعنا (البحرين) إنتصارنا مضمون ولكن بشروط، فلا يوجد في أي مكان إنتصار بالمجان!!وبنو إسرائيل لما تحققت لهم الشروط ( بعد 40 عاماً ) حققوا الإنتصار والعزة ، حيث كانت لهم قيادة ربانية و أصبح لديهم إلتزام بمنهج المقاوم و الجهاد والتضحية . ونحن في المجتمع البحريني ، إن أردنا العزة والكرامة والسعادة الحقيقية ، وتجنب الوقوع في التيه والضياع الفكري والاجتماعي والاخلاقي والسياسي ، فيجب أن نجسد بكل جد وصدق منهج المقاومة والتضحية في إطار نخبة قيادية ربانية كفوءة .

( وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين)

Show More

Related Articles

This website uses cookies. By continuing to use this site, you accept our use of cookies. 

Close